السيد الطباطبائي

32

تفسير الميزان

جميعا من صنعه . فإليه سبحانه يرجع الرزق الذي من أهم مظاهره عند الانسان الاطعام فيجب أن يعبد الله وحده لأنه هو الذي يطعمنا من غير حاجة إلى إطعام من غيره . فظهر بما بيناه أولا : أن التعبير عن العبودية والتأله باتخاذ الولي في قوله : ( أغير الله أتخذ وليا ) إنما هو لكون الحجة مسوقة من جهة إنعامه تعالى بالاطعام . وثانيا : أن التعلق بقوله : ( فاطر السماوات والأرض ) إنما هو لبيان سبب انحصار الاطعام به تعالى كما تقدم تقريره ، وربما استفيد ذلك من التعريض الذي في قوله : ( ولا يطعم ) فإن فيه تعريضا بكون سائر من اتخذوهم آلهة محتاجين كعيسى وغيره إلى إطعام أو ما يجرى مجراه . ومن الممكن أن يستفاد من ذكره في الحجة أنه إشارة إلى مسلك آخر في إقامة الحجة على توحيده تعالى هو أشرف من المسلكين جميعا ، ومحصله أن الله سبحانه هو الموجد لهذا العالم ، وإلى فطره ينتهى كل شئ فيجب الخضوع له . ووجه كون هذا المسلك أشرف : هو أن المسلكين الآخرين وإن كانا أنتجا توحيد الاله من جهة أنه معبود لكنهما لا يخلوان مع ذلك من شئ ، وهو أنهما ينتجان وجوب عبادته طمعا في النعمة أو خوفا من النقمة فالمطلوب بالذات هو جلب النعمة أو الامن من النقمة دونه تعالى وتقدس ، وأما هذا المسلك فإنه ينتج وجوب عباده الله لأنه الله سبحانه . وثالثا : أن اختصاص الاطعام من بين نعمه تعالى على كثرتها بالذكر إنما العناية فيه كون الاطعام بحسب النظر الساذج أوضح حوائج الحيوان العائش ومنه الانسان . ثم أمر سبحانه بعد تمام الحجة نبيه صلى الله عليه وآله أن يذكر لهم ما يؤيد به هذه الحجة العقلية ، وهو أن الله أمره من طريق الوحي أن يجرى في اتخاذ الاله على الطريق الذي يهدى إليه العقل وهو التوحيد ، ونهاه صريحا أن يتخطاه إلى أن يلحق بالمشركين فقال : ( قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ) ثم قال : ( ولا تكونن من المشركين ) . بقي هنا أمران :